المقريزي
1070
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
[ الحريق بالقاهرة ومصر ] فلم يمض سوى شهر من يوم هدم الكنائس حتّى وقع الحريق بالقاهرة ومصر في عدّة مواضع ، وحصل فيه من الشّناعة أضعاف ما كان من هدم الكنائس « 1 » . فوقع الحريق في ربع بخطّ الشّوّائين من القاهرة في يوم السّبت عاشر جمادى الأولى ، وسرت النار إلى ما حوله ، واستمرّت إلى آخر يوم الأحد . فتلف في هذا الحريق شيء كثير . وعندما أطفئ وقع الحريق بحارة الدّيلم ، في زقاق العريسة ، بالقرب من دور كريم الدّين ناظر الخاصّ في خامس عشرين جمادى الأولى ، وكانت ليلة شديدة الرّيح ، فسرت النار من كلّ ناحية حتى وصلت إلى بيت كريم الدّين . وبلغ ذلك السّلطان فانزعج انزعاجا عظيما لما كان هناك من الحواصل السّلطانية ، وسيّر طائفة من الأمراء لإطفائه ، فجمعوا الناس لإطفائه ، وتكاثروا عليه . وقد عظم الخطب من ليلة الاثنين إلى ليلة الثلاثاء ، فتزايد الحال في اشتعال النار ، وعجز الأمراء والناس عن إطفائها لكثرة انتشارها في الأماكن وقوّة الرّيح التي ألقت باسقات النخل ، وغرّقت المراكب ، فلم يشكّ الناس في حريق القاهرة كلّها ، وصعدوا المآذن ، وبرز الفقراء وأهل الخير والصّلاح ، وضجّوا بالتّكبير والدّعاء وجأروا ، وكثر صراخ الناس وبكاؤهم ، وصعد السّلطان إلى أعلى القصر فلم يتمالك الوقوف من شدّة الرّيح . واستمرّ الحريق والاستحثاث يرد على الأمراء من السّلطان في إطفائه إلى يوم الثلاثاء . فنزل نائب السّلطان ومعه جميع الأمراء وسائر السّقّائين ، ونزل الأمير بكتمر السّاقي ، فكان يوما عظيما لم ير الناس أعظم منه ولا أشدّ هولا . ووكّل بأبواب القاهرة من يردّ السّقّائين إذا خرجوا من القاهرة لأجل إطفاء النار ، فلم يبق أحد من سقّائي الأمراء وسقّائي البلد إلّا وعمل ، وصاروا ينقلون الماء من المدارس والحمّامات ، وأخذ جميع النجّارين وسائر البنّائين لهدم الدّور . فهدم في هذه النوبة ما شاء اللّه من الدّور العظيمة والرّباع الكبيرة .
--> ( 1 ) راجع عن أخبار هذا الحريق كذلك ، النويري : نهاية الأرب 33 : 15 - 27 ؛ ابن أيبك : كنز الدرر 9 : 306 ؛ مفضل بن أبي الفضائل : النهج السديد S . ) ( 441 - 42 ) 15 - 14 ( Kortantamer ؛ ابن حبيب : تذكرة النبيه 2 : 121 ؛ المقريزي : السلوك 2 : 220 - 227 ؛ أبا المحاسن : النجوم الزاهرة 9 : 63 - 73 .